أبي منصور الماتريدي
401
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وجلين خائفين على سلب ما هم عليه ، وهكذا الواجب أن يكون الخوف على من نعمه عليه أكثر ؛ فخوفه أشد . وقال أبو عوسجة : وَاجْنُبْنِي أي : باعدني ، وجنبني أيضا . وقال القتبي « 1 » : أي : جنبني وإياهم . وقوله - عزّ وجل - : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ . نسب الإضلال إلى الأصنام - وإن لم يكن لها صنع في الإضلال لأنهم بها ضلوا ، وكانت الأصنام سبب إضلالهم ، وقد تنسب الأشياء إلى الأسباب ، وإن لم يكن للأسباب صنع فيها نحو ما ذكرنا من قوله : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ . . . [ التوبة : 125 ] والسورة لا تزيدهم رجسا ، لكن نسب الرجس إليها لما كانت هي سبب زيادة رجسهم ، وهو أنها لما نزلت يزداد لهم بها تكذيبا وكفرا بها ، فنسب ذلك إليها ، فعلى ذلك الأول . والثاني : ينسب إلى الأحوال التي كانت بها ؟ ما لو كانت تلك بذوات الأرواح ، لكانت تضل وتغوي [ كذي الروح ] ممن يكون منه الإضلال ، لأنها تزين وتحلى بالأشياء ؛ نحو ما نسب الغرور إلى الدنيا ؛ وإن كانت الدنيا لا تغر ؛ لأنها تكون بحال لو كانت تلك الأحوال من ذي الروح لكان ذلك تغريرا ، فعلى ذلك نسبة الإضلال إلى الأصنام . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي . يشبه أن يكون مِنِّي : أي : موافقي في الدين ، أو في الولاية ، وحاصله - والله أعلم - : معي في الدين وفي أمر الدين ، وكذلك [ معنى ما روي : ] « 2 » « من غش فليس منا » أي : ليس بموافق لنا ، أوليس معنا ، أوليس من ملتنا ، وكذلك قوله : فَإِنَّهُ مِنِّي أي : من ملتى . وحاصله : فمن تبعني وأجابني فيما دعوته إليه وأمرته به فإنه مني ؛ أي : مما أنا عليه ، وكذلك قوله : « من غش فليس منا » « 3 » أي : ليس مما نحن عليه .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 233 ) . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 1 / 348 - الأبي ) كتاب الإيمان : باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم « من غش فليس منا » حديث ( 164 / 102 ) ، وأبو داود ( 2 / 294 ) كتاب البيوع : باب في النهي عن الغش حديث ( 3452 ) ، والترمذي ( 3 / 579 ) كتاب البيوع : باب ما جاء في كراهية الغش في البيع حديث ( 1315 ) ، وابن ماجة ( 2 / 749 ) كتاب التجارات : باب النهي عن الغش حديث ( 2224 ) ، وأبو عوانة ( 1 / 57 ) ، وأحمد ( 2 / 242 ) ، والحميدي ( 2 / 447 ) رقم ( 1033 ) ، وابن الجارود في ( المنتقى ) رقم ( 564 ) ، وابن حبان ( 4905 - الإحسان ) ، وابن مندة في ( الإيمان ) رقم ( 550 ، 551 ، 552 ) والطحاوي في مشكل الآثار ( 2 / 134 ) ، والحاكم ( 2 / 8 - 9 ) ، والبيهقي ( 5 / 320 ) كتاب البيوع ، كلهم من طريق -